٠٤‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ٢:٠٤ م

خاص لمهر:

كيف تحولت الحرب على إيران إلى "مقتل" الجمهوريين؟

كيف تحولت الحرب على إيران إلى "مقتل" الجمهوريين؟

تُظهر التطورات في الأشهر الأخيرة أن الحرب الأمريكية على إيران لم تفشل في تحقيق أهدافها المعلنة فحسب، بل تحولت تدريجياً إلى واحدة من أهم التحديات السياسية التي تواجه ترامب داخل أمريكا.

وكالة مهر للأنباء: كان من المفترض أن تكون حرب الأربعين يوماً على إيران، بالنسبة لدونالد ترامب وحلفائه، عرضاً للقوة؛ حرب اعتقد واضعوها أنها يمكن أن تجبر طهران على التراجع، وتعزز الموقع الأمريكي في غرب آسيا، وتحقق مكسباً سياسياً للرئيس الأمريكي على الصعيد الداخلي. لكن التطورات في الأشهر الأخيرة تُظهر أن هذه الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة فحسب، بل تحولت تدريجياً إلى واحدة من أهم التحديات السياسية التي تواجه ترامب داخل أمريكا.

يمكن ملاحظة مؤشرات هذا التحول في الكونغرس الأمريكي، وفي أجواء الرأي العام، وفي الانقسامات داخل الحزب الجمهوري، وحتى في نتائج الانتخابات التمهيدية في البلاد؛ حيث تتكشف التكاليف السياسية للحرب على إيران يوماً بعد يوم.

فشل غير مسبوق لترامب في الكونغرس؛ تصدع في معسكر الجمهوريين

أهم مؤشر على تغير الأجواء السياسية الأمريكية يجب البحث عنه في التصويت الأخير لمجلس النواب. فبإقرارهم قراراً بشأن الصلاحيات الحربية، حاول النواب عملياً تقييد يد الرئيس الأمريكي لمواصلة الحرب على إيران دون موافقة الكونغرس. وقد تم إقرار هذا المشروع بـ 215 صوتاً مؤيداً مقابل 208 أصوات معارضة؛ لكن ما هو أكثر أهمية من نتيجة التصويت هو انكشاف تماسك الحزب الجمهوري. فقد صوت أربعة نواب جمهوريين، خلافاً لرغبة البيت الأبيض وقيادة الحزب، لصالح هذا القرار وانضموا إلى صف الديمقراطيين.

وكان "مايك جونسون"، رئيس مجلس النواب وأحد أقرب حلفاء ترامب، قد حذر قبل التصويت من أن إقرار هذا المشروع من شأنه أن يضعف القوة التفاوضية للرئيس أمام إيران، لكن هذا التحذير لم يتمكن أيضاً من منع تسرب جزء من الأصوات الجمهورية.

وصفت شبكة "فوكس نيوز" هذا التصويت بأنه فشل غير مسبوق لترامب، وكتبت أن نواباً من كلا الحزبين دعموا مشروعاً يطالب بإنهاء مشاركة القوات الأمريكية في العمليات العسكرية ضد إيران.

وتكمن أهمية هذا التطور في أنه خلال السنوات الأخيرة، نادراً ما شوهد موضوع يستعد فيه جزء من الجمهوريين للوقوف في وجه الإرادة المباشرة لترامب. لكن الآن، أدى استمرار الحرب وغياب أفق واضح لإنهائها إلى جعل حتى جزء من أنصار الرئيس التقليديين يشككون في استمرار هذا المسار.

الحرب التي أرهقت الرأسمال السياسي لترامب

يعتقد المحللون الأمريكيون أن ترامب يمر بمأزق سياسي أكثر من أي وقت مضى. فقد كتب آرون بليك، المحلل في شبكة "سي إن إن"، في تقرير له أن الرئيس الأمريكي أصبح محاصراً تدريجياً في "صندوق سياسي"، وهو وضع سيكون من الصعب عليه الخروج منه.

وبناءً على هذا التحليل، تصور ترامب أنه بالضغوط العسكرية والاقتصادية، يمكنه إجبار إيران على قبول اتفاق وفقاً لرغبات واشنطن، لكن مرور الزمن أظهر أن هذا الهدف ليس سريع التحقق. ومن ناحية أخرى، أدى استمرار الاشتباكات وتكاليف الحرب إلى زيادة الضغوط الداخلية على الحكومة.

إن انخفاض شعبية ترامب في استطلاعات الرأي، وقلق الجمهوريين بشأن الانتخابات المقبلة، وتزايد الانتقادات في الكونغرس، كلها تشير إلى أن الحرب على إيران تحولت من فرصة سياسية إلى عبء ثقيل على البيت الأبيض.

بل إن بعض الشخصيات الجمهورية التي كانت تدعم ترامب سابقاً، اتخذت الآن مواقف أكثر انتقاداً. يُعتبر السيناتوران جون كورنين و بيل كاسيدي من بين الشخصيات التي ابتعدت بشكل أكبر عن سياسات الرئيس في الأشهر الأخيرة. فبعد فشله في الانتخابات التمهيدية، دعم كاسيدي حتى دفع مشروع تقييد الصلاحيات الحربية لترامب في مجلس الشيوخ.

يظهر هذا الوضع أن الفشل في تحقيق أهداف الحرب وإطالة أمد الأزمة قد أدى تدريجياً إلى استنزاف الرأسمال السياسي للرئيس الأمريكي.

أولى الآثار الانتخابية؛ هزيمة مرشحي ترامب الذين نالوا دعمه

لم تقتصر تأثيرات الحرب على الكونغرس فقط، بل يمكن ملاحظة علاماتها أيضاً في المنافسات الانتخابية. فقد ذكرت وكالة "رويترز" أن "راندي فينسترا"، المرشح الذي نال دعم ترامب في الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ولاية آيوا، قد تعرض للهزيمة. وتكتسب هذه الهزيمة أهميتها لأن آيوا تُعتبر واحدة من الولايات التي فاز فيها ترامب بفارق كبير في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.

ووفقاً للمراقبين السياسيين، فإن ارتفاع أسعار الوقود، وارتفاع تكاليف الأسمدة الكيماوية، والضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب على القطاع الزراعي في آيوا، كانت من العوامل المهمة في استياء الناخبين الجمهوريين. وجاءت هزيمة فينسترا في وقت كان ترامب يحاول خلال الأشهر الماضية إظهار نفوذه في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. ومع ذلك، تُظهر النتائج الأخيرة أن دعم الرئيس لم يعد ضماناً لفوز المرشحين الذين ينالون تأييده.

في الواقع، تحولت الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية تدريجياً إلى قضية داخلية في أمريكا؛ قضية أثرت بشكل مباشر على معيشة المواطنين ويمكن أن تؤثر على سلوكهم الانتخابي.

زيادة قلق الجمهوريين من مستقبل الحزب السياسي

لعل أهم تداعيات الحرب على الجمهوريين هي تزايد القلق بشأن مستقبل الحزب السياسي. فجميع النواب والسناتورات الجمهوريين يدركون جيداً أنه في حال استمرار الحرب وزيادة تكاليفها الاقتصادية والإنسانية، فإن الحزب الجمهوري سيواجه تحديات جدية في الانتخابات المقبلة.

ولهذا السبب، ينبغي تحليل جزء من المعارضات الأخيرة لسياسات ترامب في إطار محاولة الابتعاد عن التداعيات السياسية للحرب. فالجمهوريون قلقون من أن استمرار هذا المسار لن يهدد أغلبيتهم الهشة في بعض المؤسسات فحسب، بل سيضعف أيضاً موقع الحزب في الانتخابات النصفية والمنافسات القادمة.

وفي الوقت نفسه، فإن المأزق الحالي تجاه إيران قد حد أيضاً من خيارات ترامب. فمن ناحية، قد يُعتبر التراجع الواضح بمثابة اعتراف بالهزيمة، ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الحرب سيفرض المزيد من التكاليف السياسية والاقتصادية على الحكومة والحزب الجمهوري.

النتيجة

ما يُلاحظ اليوم في واشنطن ليس مجرد خلاف حول الصلاحيات الحربية للرئيس؛ بل هو انعكاس للتداعيات السياسية لحرب لم تؤدِ، خلافاً للحسابات الأولية، إلى استسلام إيران، ولم تحقق لأمريكا أي مكسب واضح.

لقد تحولت حرب الأربعين يوماً على إيران تدريجياً إلى أحد أهم عوامل استنزاف الرأسمال السياسي لدونالد ترامب. إن انخفاض شعبية الرئيس، والتصدع في صفوف الجمهوريين، وهزيمة المرشحين الذين نالوا دعمه في الانتخابات التمهيدية، ومحاولات الكونغرس لتقييد الصلاحيات الحربية للبيت الأبيض، كلها مؤشرات على حقيقة أن أول الخاسرين السياسيين من هذه الحرب يجب أن يبحث عنهم داخل أمريكا. إذا استمر هذا المسار، فإن ملف الحرب على إيران قد يتحول من تحدي سياسة خارجية إلى عامل حاسم في مستقبل ترامب السياسي والحزب الجمهوري.

/انتهى/

رمز الخبر 1971332

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha